إن الدارس المتفحص لرواية " عبد الرحمن والبحر" لا جرم أنه وقف على جملة من الثنائيات التي أكسبت الرواية بعدا فلسفيا؛بدءا من ثنائية الصمت (الجبل)؛ و الصوت ( عالم الناس )؛مرورا بثنائية الضفة ( الوطن )؛والضفة الأخرى ( الهجرة الخارجية )؛واْنتهاءً بثنائية الحضر (المدينة )؛والبدو ( البادية أو القرية )…وغيرها من الثنائيات؛
غير أننا سنجمل القول في الثالثة؛بشيء من التفصيل والتحقيق؛راحين من الله السداد؛…آمين.
إنه من نافلة القول؛ الإشارة إلى شغف " خالد حاجي " بسؤال العمران الخلدوني؛كما أوضح ذلك في حواره لجريدة الشرق؛إذ نجد رواسب هذا السؤال عالقة بالرواية.ومن هنا جاز لنا أن نفترض أن ثنائية المدينة والقرية داخل بنية الرواية إنما هي ثنائية الخير (القرية )؛والشر ( المدينة )؛ وذلك ما سنحاول تأكيده؛ أو نفيه من خلال تتبعنا لطبيعة الأحداث التي صادفت شخصية عبد الرحمن في كلا العالمين.
ووفق هذا التخطيط سنتتبع خطوات عبد الرحمن داخل كل مدينة حل بها؛وكل قرية وطئتها قدماه خلال مقاماته.وحديثنا سيكون بدءًا بعالم المدينة لنكشف أغواره ومدى تأثيره في نفس عبد الرحمن وخلده.
لعل أولى التباشير التي تشي بصحة ما اْفترضناه على أن عالم المدينة إنما هو رمز لكل شر وسوء؛حال المدينة إزاء الزلزال الذي حل بها؛قتلى.جرحى.مفقودين…؛والدولة عاجزة كل العجز حيال ذلك؛وفي ذلك إشارة جلية إلى تماطل رجالات السلطة واْستهطارهم بأرواح العباد؛فهل هذه دولة؛أردف عبد الرحمن قائلا:"أهذه دولتكم التي بنيتم إن كانت الدول مثل دولتكم هذه فحسب؛فما أسها أن أأسس لدولة أنا كذلك".
كانت كلمات عبد الرحمن هذه تنساب إلى أعماق المتجمهرين من حوله؛ منسكان المدينة؛مما سهل لأن تكون هذه الكلمات لسان حال أهل المدينة كلهم؛يرددونها وهم يلعنون العجز المخزي…وهذه النازلة إحالة على ان عبد الرحمن لن يدخل مدينة ما؛إلا ولقيَ منها معيشة ضنكى.
هاهو عبد الرحمن يولي الدبر لهذه المدينة العاجزة؛وهاهي أقداره تحل به في مدينة تبدو أكبر؛ مدينة تشي_ وللوهلة الأولى_ محطة حافلاتها بأنها أكثر فوضى وعشوائية ؛فمن أرض وسخة من زيت الحافلات إلى حيطان سوداء من الغازات التي تنفثها…هال هذا المشهد عبد الرحمن فتسلل هاربا كقطة خائفة إلى خارج المحطة؛ ويالهول حال المدينة حين خرج؛لا نظام ينظم حركة السيارات والمارة في هذه المدينة؛وإنما كان عنوانها السائد:"كف القوي تغتصب حق السبق".






















